أبي هلال العسكري

36

الوجوه والنظائر

ومعنى الآية على هذا : إنكم لم تغلوا في الأنبياء . كغلو النصارى في عيسى ، إذ قالوا : إنه إله . ولم تقصروا فيهم تقصير اليهود ؛ إذ قالوا : إنه كذاب . ومن الأول قولهم : فلان وسيط في حسبه ، أي : هو الكامل المتناهي . وفي الآية دليل على أن الأمة لا تجتمع على الباطل . والوسط بالإسكان : الموضع . والوسط بالتحريك : ما بين طرفي كل شيء ، وأصل الكلمة العدل ، فالمكان لا يمتد إلى المسافة إلى أطرافه . والرجل الأوسط في قومه : الذي تكللُه الشرف من نواحيه . العاشر : قوله تعالى : ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا ) . يعنى : الكفار من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدم ذكر الأمم والرسل في القرآن ، فعطف قوله : ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ) . على أولئك الرسل ، فكأنه قال : كما أرسلنا إلى أمم رسلا من قبل أرسلناك إلى أمة ، يعنى : هذه الأمة ، و : ( خَلَتْ ) أي : مضت ولم تبق منهم باقية . وفي هذا التزهيد في الدنيا والحث على الاعتبار بمن سلف . ثم قال : ( لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) . أي : لتتلوه عليهم وتدعوهم إلى العمل به فحذف ذلك . وقوله : ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) موصول بقوله ( أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ ) . الكفر بالرحمن دينهم . والأصل في هذا كله واحد إلا أن موضع الاستعمال يختلف .